الصالحي الشامي
51
سبل الهدى والرشاد
والذي في الشفاء : وقطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألصقها فلصقت ، رواه ابن وهب . انتهى . قال ابن إسحاق : ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء ، فضربه حتى أثبته وبه رمق ، وقاتل معوذ حتى قتل ، ثم مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فذكر ما سيأتي . قال ابن إسحاق : وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى ، فالتمس أبا جهل فلم يجده ، حتى عرف ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " اللهم لا يعجزني فرعون هذه الأمة " ( 1 ) . وقال صلى الله عليه وسلم : " من ينظر لنا ما صنع أبو جهل ؟ وإن خفي عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرح في ركبته ، فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ، ونحن غلامان ، وكنت أشف منه بيسير ، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به " . قال عبد الله بن مسعود : فأتيته فوجدته بآخر رمق فعرفته " ، وكان مقنعا بالحديد ، واضعا سيفه على فخذيه ، ليس به جرح ، ولا يستطيع أن يحرك منه عضوا وهو منكب ينظر إلى الأرض ، فلما آره ابن مسعود طاف حوله ليقتله ، فأراد أن يضربه بسيفه ، فخشي أن لا يغني سيفه شيئا ، فأتاه من ورائه ، قال : ومعي سيف رث ومعه سيف جيد ، فجعلت أنقف رأسه بسيفي ، وأذكر نتفا كان برأسي حتى ضعفت يده ، فأخذت سيفه ، فرفع رأسه فقال : على من كانت الدبرة وفي رواية : لمن الدائرة ؟ قلت : لله ورسوله ، فأخذت بلحيته وقلت : الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله ، وفي لفظ : هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : بماذا أخزاني ؟ قال : هل أعمد ، وفي لفظ : هل عدا رجل قتلتموه . أو غير أكار قتلني ، فرفعت سابغة البيضة عن قفاه ، فضربته فوقع رأسه بين يديه ، ثم سلبته . قال ابن عقبة : فلما نظر عبد الله إلى أبي جهل إذا هو ليس به جراح ، وأبصر في عنقه خدرا وفي يديه وكفيه كهيئة آثار السياط ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فقال : " ذلك ضرب الملائكة " . قال ابن مسعود : ثم حززت رأسه ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لله الذي لا إله إلا هو ؟ " وفي لفظ : الذي لا إله غيره ، فاستحلفني ثلاث مرات فألقيت رأسه بين يديه ، فقال : " الحمد لله الذي أعز الاسلام وأهله " ، ثلاث مرات ، وخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا . وفي رواية : صلى ركعتين . قال القاضي : إن ابن مسعود إنما جعل رجله على عنق أبي جهل ليصدق رؤياه ، فإن ابن قتيبة ذكر أن أبا جهل قال لابن مسعود : لأقتلنك ، فقال : والله لقد رأيت في النوم أني أخذت حدجة حنظل فوضعتها بين كتفيك بنعلي ، ولئن صدقت لأطأن رقبتك ، ولأذبحنك ذبح الشاة .
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 2 / 388 .